الأسير والوطن صنوان
محمود مصلح
عندما يفتدي رجل المقاومة وطنه بنفسه أو بما له إنّما يفعل ذلك لاعتقاده أن الوطن أقدس عنده من نفسه وأنفس لديه من ماله. وهو عندما ينال الشهادة أو يصاب بما يقعده أو يقع في الأسر يصبح هو والوطن صنوان في القداسة والنفاسة. ذلك لأنه لا معنى للوطن المغتصَب بدون مقاومة، ولا معنى للمقاومة بدون رجالها المكبلين بالأغلال. فإذا كان الوطن يستصرخ أبناءَه لتطهيره من الغاصبين، فإن الأسير يستصرخ قومه لتحريره من الأغلال في مشهد يتوازى فيه خط تحرير الوطن مع خط تحرير الإنسان.
وإذا كان الشهيد يتمنّى على ربه أن يعود إلى الحياة الدّنيا ليقاتل فيُقتل، فإنّ الأسير يتمنى على رَبعه أن يخرجوه من غياهب السجون ليقاتل أملاً في نيل الشهادة أو تحقيق النصر؛ فبقاء الأسير في أسره خسارة له ولوطنه، وعامل من عوامل تثبيط همم من يودّون السّير على درب المقاومة والجهاد، وذريعة يتخذها الخالفون الخائفون لتبرير قعودهم ودعوتهم للرضوخ إلى الأمر الواقع وحياة الذلّ والهوان.
وفي حالتنا الفلسطينية، ومنذ انطلاق المقاومة للتصدّي لقوات الإنتداب والاغتصاب والاحتلال وحتى يومنا هذا، فقد شهدت الأرض تزاحم صور الفداء ممثلةً بعشرات آلاف الشهداء ومئات آلاف المعاقين والمأسورين. ومع ذلك فإنه لا يبدو أبداً أن المقاومة قد وهنت لما أصابها ولا لما أصاب المرجفين المثبّطين من هلعٍ ويأسٍ وقنوط ومنَاداةٍ للخنوع والاستسلام بل إن الصورة مناقضةٌ لذلك تماماً، فحِدّة المقاومة تشتدّ، ووتيرة التضحية تزداد.
وإنه لممّا يثير الدّهشة في هذه الأيام أن بعضهم يثير جدلاً (كلّما لاح في الأفق احتمال إبرام صفقة تبادل الأسرى ) حول جدوى أسر جنديّ من جنود الاحتلال لمبادلته بعددٍ من أسرانا، مدلّلاً على صحة ما يذهب إليه بالثمن الباهظ الذي دفعه الوطن ثمناً لذلك الجندي مقابل عدة مئات من الأسرى. وليس هناك من ردٍّ على مثل هذا الغلط إلا اعتباره نوعاً من أنواع الحطّ من قيمة كل التضحيات السابقة، ولوناً من ألوان الاتهام بالخيانة لكل الشهداء والجرحى والمبعدين والأسرى لما سبّبوه للوطن من خسائر ولما عرّضوه له من أخطار على مدى قرن من الزمان في مقاومة لا تزيد عن كونها عبثاً وتضحيات ذهبت أدراج الرياح.
وما أحوج من يثير لغطاً كهذا ويتهم المقاومة بالعبثية والتضحيات بالخسران.. ما أحوجه لهمسة في أذنه تذكره بما تصنع يداه إذ يستثمر كل تضحيات شعبه ليقبض الفتات ثمناً لما سُكِب من دماء وما شُرِّد من أبناء، وما اغتُصِب من أرض وما هُتِك من عرض، مبرّئاً العدو من كل جرائمه. وكان الأجدر به أن يدين الجلاد لا أن يتهم الضحية، وأن يمجّد التضحيات لا أن يبرر الجريمة. ثمّ ما أحوجه لهمسة أخرى تذكّره بأنه لا يصح من مُثْقلٍ بالعبوب أن يبحث عن عيوب غيره مصداقاً لقول من قال:
لسـانَك لا تـذكرْ بـه عـورةَ امـرئٍ أبــداً
فـــكلُّك عــــواراتٌ وللنـــاس أَلْـسُــــنُ